الشيخ محمد السند
176
الغلو و الفرق الباطنية ( رواة المعارف بين الغلاة والمقصرة )
وهبوط حدّ معرفتهم واستبدادهم برأيهم وعدم اخباتهم إلى هداية الوحي - أن يكون الخالق فوق هذه الصفات وفوق هذه المكانة ، ومن ثمّ أكبروا هذا العبد المخلوق المقرّب الذي حباه اللَّه بهذه الصفات عن أن يكون فوقه خالق وربّ وعن أن يكون مربوباً . فالزيغ والانحراف والغلو الذي ارتكبوه ليس في حقيقة هذه الصفات ولا في نسبتها لولي اللَّه المصطفى ، بل في تصغير مقام اللَّه تعالى بسبب انبهارهم بعظمة هذه الصفات فلم يفطنوا أنّ صفات اللَّه فوق تلك الصفات ، وإكبارهم لولي اللَّه عن أن يكون عبداً مربوباً وقد تقدّم بيان ذلك في الفصل الثاني من هذا الجزء . وقد تكرّر التأكيد في الروايات على وقوع هذا القسم والمعنى من الغلوّ حيث أكّدوا على أنّ الغلاة صغّروا قدر اللَّه وأكبروا وأعظموا مقام ولي اللَّه . وهذا النوع من الغلوّ هو الذي وقع فيه النصارى فإنّهم لما رأوا صدور إحياء الموتى من النبي عيسى وشفاء المريض وخلق الطير أعظموا تلك الصفات وانبهروا بها فقالوا : إنّ تلك الصفات لا يمكن أن تكون لمخلوق ولا يمكن أن يكون فوق صاحبها خالق وربّ ، فصغّروا مقام اللَّه إذ لم يثبتوا للَّهمقاماً وصفاتاً فوق تلك الصفات ، كما أنهم أكبروا المخلوق حيث نعتوه بالألوهية . فهذه الصفات والأفعال رغم أنّها ثابتة لعيسى وقد أكّد عليها القرآن الكريم فهي كانت حقيقية ومنسوبة إلى ولي اللَّه ، إلّا أنهم أفرطوا في قدر تلك الصفات ، فظنّوا أنها صفات إلهيّة مع أنّها حيث لم تكن للمخلوق بذاته بل بإقدار من اللَّه كانت تلك الصفات بالغير وصفات خلقية ، فتعاظمهم لتلك الصفات أي انبهارهم لعظمتها جعلهم لا يثبتون للَّهصفاتاً فوقها فصغّروا قدر اللَّه . وهذا المحذور لم يقع فيه الغلاة فقط ، بل وقع فيه من طعن عليهم أيضاً ، حيث إنّ جماعة الطاعنة سواء من العامة - وهم الأكثر - أو من غيرهم ، حسب أنّ موضع الغلو والإفراط هو القول بثبوت تلك الصفات لولي اللَّه فأنكر ثبوتها . فهم